أحمد زكي صفوت

90

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كلّ تميمة لا تنفع « 1 » فقالت بغير روية : ما أنا ليحيى بتميمة يا أمير المؤمنين ، وقد قال الأول « 2 » : وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد * ذخرا يكون كصالح الأعمال هذا بعد قول اللّه عز وجل « وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » . فأطرق هارون مليّا ، ثم قال : يا أم الرشيد أقول : إذا انصرفت نفسي عن الشئ لم تكد * إليه بوجه آخر الدهر تقبل فقالت : يا أمير المؤمنين وأقول : ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني * يمينك فانظر أىّ كفّ تبدّل « 3 » قال هارون : رضيت ، قالت : فهبه لي يا أمير المؤمنين ، فقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من ترك شيئا للّه ، لم يوجده « 4 » اللّه لفقده » فأكبّ هارون مليّا ، ثم رفع رأسه يقول : « لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ » قالت : يا أمير المؤمنين « وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ » . واذكر يا أمير المؤمنين أليّتك « 5 » ما استشفعت إلا شفّعتنى . قال : واذكري يا أم الرشيد أليّتك أن لا شفعت لمقترف ذنبا ، فلما رأته صرّح بمنعها ، ولاذ « 6 » عن مطلبها ، أخرجت حقّا من زمرّدة « 7 » خضراء ، فوضعته بين يديه ، فقال الرشيد : ما هذا ؟ ففتحت عنه قفلا من ذهب ؛ فأخرجت منه خفضته « 8 » وذوائبه وثناياه ، قد غمست جميع ذلك في المسك ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، أستشفع إليك ، وأستعين باللّه عليك ،

--> ( 1 ) التمائم جمع تميمة : وهي العوذة التي تعلق على الصبى دفعا للعين ، أو المرض والبيت لأبى ذؤيب الهذلي . ( 2 ) هو الأخطل . ( 3 ) هذا البيت والذي قبله من قصيدة لمعن بن أوس المزنى مطلعها : لعمرك ما أدرى ، وإني لأوجل * على أينا تعدو المنية أول ؟ ( 4 ) أي يحزنه . ( 5 ) الألية : القسم . ( 6 ) أي لم يجبه . ( 7 ) الزمرد والزمرد بالدال والذال . ( 8 ) خفض الجارية كضرب خفضا ، وهو كالختان للغلام ، وقيل : خفض الصبى ختنه ، فاستعمل في الرجل ، والأعرف أن الخفض للمرأة والختان للصبي ، يقال للجارية خفضت ، وللغلام حتن .